الإسلام وتكريم اليتيم

منذ عدة سنوات، وقد تم التعارف المجتمعى فى مصر على جعل يوم الجمعة الأولى من شهر إبريل لكل عام بمثابة يوم للإحتفال باليتيم، فيذهب أفراد من الجمعيات الخيرية ومن محبى عمل الخير الكرام إلى دور الأيتام للعب مع وتسلية أطفال تلك الدور وكذا يكثر التبرع فى هذا اليوم، وهو بحق جهد مجتمعى وحكومى مشكور، وإن كنت أتحفظ على ذلك بما قد يحدث فى ذلك اليوم من معاودة تذكير بذكريات محزنة ومؤلمة على الأطفال فبدلا من الفرح بذلك اليوم فكأنه تذكير لهم بفقدهم أحد أحب الناس إلى قلوبهم سواء أب أو أم أو كليهما، وفى هذا الصدد فإن المقال يوضح موقف الإسلام من اليتيم والأيتام على العموم، فإلى المقال.....

الإسلام وتكريم اليتيم

الإسلام وتكريم اليتيم

اصطلح لغويا على أن اليتيم هو من يفقد الأب أو الأم، أما من يفقد كليهما فهو يسمى باللطيم ولكن فى أعرافنا الدارجة أن اليتيم هو أحد حالات فقد الأب أو الأم أو كليهما معا، وكذلك يعتبر الكثيرون أن الفقد يجب أن يكون فى سن طفولة أو قبل البلوغ حتى يعتبر ذلك يتما، ولكن يظل فقد الأب أو الأم حدثا مؤثرا فى حياة الشخص مهما كان عمره، والدين الإسلامى بسماحته اهتم وقبل 14 قرنا بحال المرء اليتيم فى وقت لم تكن بعد مواثيق حقوق الإنسان قد كتبت أو كانت هناك مبالاة بالإنسان ذاته والذى كان يعتبر فى بعض الأحوال سلعة للبيع أو الشراء كما هى حال الرق وقتئذ، ومن دلائل اهتمام الإسلام باليتيم أن أفضل البشر وسيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم نفسه قد ذاق مرارة اليتم إذ توفى والده وهو بعد مازال لم يولد ثم والدته وهو بعد لا يزال طفلا ولكن الله قد أواه ونصحه تبعا لذلك بعدم قهر اليتيم إذ يقول تعالى فى سورة الضحى:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

وقد نبه الرسول الكريم وحبب فى كفالة اليتيم فجعل من كفالة وحسن رعاية اليتيم السبيل إلى مرافقته عليه السلام فى الجنة إذ يقول:

حديث سهل بن سعد رضى الله عنه قال: قال رسول الله : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهم

ونبه كذلك إلى خطورة أكل مال اليتيم وأن القائم على رعاية أى يتيم - كان قد ورث مالا عن أبويه – فالواجب عليه مراعاة ذلك المال بإنمائه وعدم نهبه أو صرفه فى غير مواضعه وعدم إعتباره مالا شخصيا للقائم عليه وإنفاقه بحق على اليتيم فى مواضعه ( تعليم/ رعاية صحية/ مسكن/ طعام إلخ...) فإذا صار ذلك اليتيم فى سن بلوغ وقدرة عقلية، يتم نقل ملكية المال له وإشهاد المعارف على ذلك، فإذا فعل القائم على رعاية اليتيم ما سبق ( وهو فى الأغلب من قرابته المقربين) فقد حاز على رضا الله ورسوله، والله سبحانه وتعالى قد يحفظ مال اليتيم ثوابا لصلاح أحد الأبوين ففى سورة الكهف جعل الله الخضر عليه السلام يعيد إنشاء جدار متهدم حتى لا ينكشف كنز تحته هو فى الإساس إرث لصبيين يتيمين فيقول تعالى فى الآية رقم 82 من سورة الكهف:

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا

وقد قال تعالى عن أكل مال اليتيم بأنه كبيرة من الكبائر وتشبه أن يأكل أحدهم نار فى بطنه إذ يقول تعالى فى الآية 10 من سورة النساء:

إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا

والعبرة فى التوعية بحق اليتيم هو أن اليتيم فى الأغلب يكون شخص ضعيف مهيض الجناح قد فقد شخص أو شخصين هو أو هما أحن الناس عليه، وسيكون مواجها لبحر متلاطم من الأطياف البشرية بكافة أنواعهم وما فى نفوسهم من علل نفسية، وعليه فإذا ما أحاطه أشخاص يرعون الله فيه فهذا كفيل وحده بجعله شخصا نافعا فى مجتمعه وعندما يصير يافعا ينشر الخير والنفع لمجتمعه ومن حوله، أما على العكس فإذا واجه تعنتا وأشخاصا يعايرونه بما يكره ويمنون عليه أية إنفاق، ولا ينفقون عليه مثلا مما هو حق له فسوف ينتقم يوما من ذلك المجتمع فقد يصير منافقا يظهر خلاف ما يضمر فيكون خبيثا غير أمين، أو يصير غليظ القلب يؤذى من حوله، أو إنطوائيا غير محب لأحد ولا يكلم أحد وغير ذلك...

وليقتدوا بالرسول الكريم فى علاقته مع زيد بن حارثة رضى الله عنه والذى آثر التواجد والخدمة للرسول عن الذهاب مع أسرته التى اكتشفت تواجده فى مكة وسابق بيعه كعبد، وقد آثر ذلك لما لاقاه من معاملة رائعة من الرسول، وليقتدوا بأبى طالب (عم الرسول) الذى قيل أنه كان أكثر حبا لأبن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم من حبه لأبنائه أنفسهم وظل على حبه ومناصرته لآخر لحظة فى عمره، فلم يكن غريبا أن يحزن عليه رسول الله وتكون وفاته من الأحداث الحزينة فى حياته...

حق اليتيم هو حق من حقوق الإنسانية....