ذكريات عن زلزال أكتوبر 1992

إن حلول الأزمات أو المصائب كثيرا ما يستدعى إلى الذاكرة أزمات سابقة عليها، والوضع الحالى - فى إبريل 2020 ( تفشى مرض كورونا المستجد) وما لازمه من إجراءات فرضت الحجر الصحى للمواطنين فى منازلهم أو عدم الذهاب يوميا إلى الأشغال وغير ذلك - نفض الغبار عن ذاكرتى لحدث قد عشته طفلا لا يجاوز الإثنى عشر عاما ألا وهو زلزال 12 أكتوبر 1992....

ذكريات عن زلزال أكتوبر 1992
مانشيت الصحف بعد الزلزال

ذكريات عن زلزال أكتوبر 1992

فى 12 أكتوبر 1992 وتحديدا الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرا، كانت أقسى 30 ثانية هزت أرض مصر، ففصلت أحباء عن أحبائهم إلى الأبد، وبسبب تلك الثوانى القاسية تبددت ثروات وتحول أفراد من حال الرغد إلى حال البؤس.

كان موقفا جديدا على دولة لم تعتد على وجود الكوارث الطبيعية، وفى هذا اليوم تحديدا كان رئيس الدولة الأسبق ( حسنى مبارك) فى زيارة لدولة الصين، وعلى فور علمه بنبأ الزلزال أنهى رحلته تلك وعاد إلى أرض الوطن.

لا أعلم هل ميعاد الزلزال عصرا كان من عوامل تقليل خسائره البشرية أم ليس كذلك ؟! إذ أن ميعاده كان الميعاد الذى فى العادة من الممكن أن يكون قد عاد فيه بعض الموظفين أو طلبة المدارس إلى منازلهم وأقول بعض لأنه لم يكن هناك كثيرون قد عادوا للمنزل بعد ولكن فى رأيى أنه كان من الممكن أن تكون الخسائر البشرية أكثر لو كان وقت الزلزال فى ميعاد نوم الناس المعتاد كبعد منتصف الليل على سبيل المثال والله أعلم فهى دائما أقداره...

أتذكر هرولة الناس على سلالم العمارة بملابس المنزل، وأتذكر النبأ العاجل والذى أذاعه المذيع ( خيرى حسن)، أتذكر الحركة الدائبة على قرص التليفون للإتصال بالمعارف للإطمئنان عليهم والتى لا تفلح إلا بعد جهد كبير، أتذكر المتابعة المستمرة للأخبار وأنه فى نشرة التاسعة قد بدأت الحقائق تتكشف عن حدث جلل وعدد وفيات كبير ومنازل قد انهارت وأخرى قد تصدعت تصدعات بالغة استدعت إخلائها...

بدأ الحديث عن آثار مصر وحمد لله هى لم تتضرر رغم مرور آلاف السنين عليها، ولكن البنايات التى بناها أحفاد الأحفاد قبل تاريخ ذلك الزلزال ببضعة أعوام فقط هى التى انهارت أو تصدعت!!!!...

كانت سهرة القناة الثانية  للتليفزيون المصرى هى فيلم ( بين السما والأرض) للمخرج ( صلاح أبو سيف) وهو فيلم يتحدث عن أزمة أو مصيبة لحقت بمجموعة من الأفراد قد تكدسوا فى مصعد تعطل بهم فأصبحوا فى ورطة وبدأوا يعانون إختناقا، ولا شك إختيار الفيلم كان متعمدا وكأن الحكومة تذكر المواطنين بوجود الأزمات!!!

تعطلت الدراسة لثلاث أيام مقبلة، ثم تدريجيا امتد إيقاف الدراسة حتى 31 أكتوبر 1992 وبعثت الحكومة بلجان من أساتذة كليات الهندسة للتأكد من الحالة الإنشائية للمدارس والكليات...

الحدث الأبرز لهذا الزلزال هو مشهد خروج المواطن  أكثم سليمان من تحت الأنقاض التى ظل تحتها  لمدة 82 ساعة  كاملة وكانت الأنقاض هى أنقاض عمارته التى يسكن فيها وهى عمارة لؤلؤة هليوبليس والتى تسمت ب(عمارة الموت) بعد ذلك،

خرج أكثم من تحت الأنقاض بعد أن أمضى 82 ساعة مدفونا تحتها مع أمه وزوجته وابنته، ليتحدث من على أحد أسرة مستشفى هليوبوليس: "شعرت بالرعب كأنى فى قَبر، ظلام دامس وأتربة ولا صوت إلا أنين المصابين وصمت الموتى". هكذا جاوب على سؤال عن مشاعره تحت الأنقاض! وحكى أكثم للتليفزيون المصرى - لم يكن هناك غيره وقتها- سر نجاته وماذا حدث منذ لحظة الزلزال.

وقال: "كنا على مائدة الغداء أنا وزوجتى "تنسيانا" وأمى وابنتى "سميرة"، وتقريبا انتهينا من الطعام وهممت بالذهاب لأحضر زجاجة البيبسى لابنتى التى طلبته منى، وفجأة سمعنا صوت طرقعة شديدة وهرولنا نختبئ تحت منضدة الطعام، ثم وجدنا أنفسنا نسقط كأننا فى بئر عميقة. كنت أسمع أصوات الصراخ للجيران وأمى وزوجتى تصرخان واندفنا جميعا تحت الأنقاض".

كما حكى أكثم " سمعت كثيرا من أصوات الأنين والاستغاثة دون جدوى، وبالتدريج تناقصت هذه الأصوات. كانت أمى أول من صمت وأسلمت روحها ثم ابنتى وبعدها زوجتى. حاولت أن أشجعهن للتماسك فقمت بتمزيق جزء من ملابسى، وكنت أبول على القماش وأعيد شرب البول، لكن أمى وزوجتى رفضتا أن تفعلا مثلى. ابنتى ظلت تطلب منى كوب البيبسى حتى فاضت روحها، كنت أنظر إليهن ولا أملك أن أفعل أى شىء"

لا أعلم لماذا ظل اسم ذلك الرجل بكلماته عالقا بذهنى، فهل ذلك يعود لأسمه غير المعتاد أم لهول ما قد عاشه ورآه ...

نتج عن هذا الحادث رغبة حكومية فى مراجعة أحوال البناء والتشييد فى مصر والتى كان من المعروف أنه يكتنفها كثير من الفساد والرشوة لمهندسى الأحياء ومشرفى التنفيذ، وبدأ الحديث عن تغليظ عقوبة الغش فى البناء وغيره ولكن بعد مرور العاصفة عاد الفساد بل وازداد..

أتذكر فى ذلك العام الدراسى تم تقليص منهج التيرم الأول قليلا مع تقليل لعدد أسئلة إمتحانات المواد وتقليص الفترة الزمنية للامتحان ...

أتذكر أنه ظلت نشرات الأخبار المصرية ولمدة ثلاث شهور بعد ذلك الحدث تفرد أخبارا عن الزلازل فى العالم مع التركيز فى التفاصيل وهى التى لم تكن تفعل ذلك قبل 12 أكتوبر 1992 وكأنها تقول للمواطنين ( هاهو كل العالم مبتلى مثلنا)

خسائر زلزال 1992 البشرية والإقتصادية هى الآتى:

تسبب فى وفاة 545 شخصًا وإصابة 6512 آخرين وشرد حوالى 50000 شخص.

أصاب معظم بيوت شمال مصر القديمة منها بتصدعات وبعضها تهدم منه بداية من بولاق وجنوبًا على طول نهر النيل حتى العياط على الضفة الغربية للنهر، وأدى الزلزال لتدمير 350 مبنى بالكامل وإلحاق أضرار بالغة بـ9000 مبان أخرى، وأصيب 216 مسجد و350 مدرسة بأضرار بالغة.

رحم الله كل من توفى فى زلزال 1992 ...

فيديوهات وثائقية للحدث: