فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (1/2)

غزوة البدر الكبرى - والتى تأتى ذكراها المباركة فى 17 رمضان من كل عام - لها فى نفوس المسلمين عظيم الأثر، فهى أول حرب بين المسلمين والكفار وهى الفرقان بين الحق والباطل وهى غزوة أحاطها الكارهون للإسلام بالكثير من الإفتراءات بالزعم بأن المسلمين هم من ابتدأوها وهم الذين دفعوا المشركين للقتال ولكن هذا محض افتراء فقد كان للمسلمين الحق كل الحق فى هذه الحرب، وهذا ما ستعرفه فى ثنايا المقال التالى وسيتم ذلك على مدار حلقتين، فإلى المقال.....

فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (1/2)

فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (1/2)

غزوة بدر الكبرى: (أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة وكانت ضد كفار قريش – 17 رمضان من العام الثانى للهجرة)

السبب: غزوة بدر الكبرى هى معركة وقعت فى 13 مارس 624 م – 17 رمضان 2 هجرية بين المسلمين بقيادة النبى وبين قريش بقيادة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومى المعروف بأبى جهل عند آبار بدر فى جنوب المدينة وانتهت بإنتصار المسلمين ومقتل سيد قريش عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومى.  أما أسباب معركة بدر فهو إعتراض المسلمون قافلة أبى سفيان القادمة من الشام، وكان السبب الذى دفع المسلمون لإعتراض القافلة هو إسترجاع اموالهم التى نهبتها منهم قريش قبل وأثناء هجرتهم الى المدينة، لأن أغلب المهاجرين تركوا أموالهم فى مكة أو أخذتها منهم قريش بالقوة.

وصل الخبر للمسلمين بأن قافلة أبو سفيان بن حرب قدمت من الشام، وتحمل أموال وتجارة لقريش، و قُدّر عدد الرجال بها ما بين ثلاثين إلى أربعين رجلا من قريش، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص‏‏ فلما وصل الخبر للنبى ندب المسلمين إليهم، وقال‏‏:‏‏ هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله يُنْفِلُكُموها‏‏، ولم يحتفل رسول الله للأمر إحتفالا بالغا لأن الأمر أمر عير لا أمر نفير. 

فبدأ الناس يستعدون للإنطلاق، البعض جهز سلاحا والبعض الأخر لم يجهز سلاح بل وسيلة نقل من ناقة وخلافه، إذ أنهم لم يعتقدوا بإحتمالية قيام الحرب.‏‏ وكان أبو سفيان حينما اقترب من الحجاز يتحسس الأخبار ممن كان يلقى من المسافرين والقوافل، تخوفا على أموال قريش من المسلمين‏‏، ووصله من بعض المسافرين‏‏ أن محمد قد استنفر المسلمين للقافلة، فأخذ حذره، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى، فبعثه إلى مكة، ليستنفر قريش للدفاع عن أموالهم، وليخبرهم بأن محمدا قد يهاجم القافلة‏‏، فإنطلق ضمضم سريعا إلى مكة وما أن وصل ضمضم مكة حتى جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قميصه، ووقف فوق بعيره ببطن الوادي وهو يصرخ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ.

بدأت قريش بتجهيز سلاحها ورجالها للقتال، ووصل خبر خروج جيش المشركين إلى المسلمين، ولم يكن خروج المسلمين لقتال المشركين هو خيار مطروح فى الأصل، بل كان الخروج من أجل الغنيمة بالقافلة. واستعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً 313، أو 314، 317 رجلاً (82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و 61 من الأوس و 170 من الخزرج). ولم يحتفلوا لهذا الخروج إحتفالاً بليغاً، ولم يتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرسان ( فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندى)، وكان معهم سبعون بعيراً ليتعاقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلى بن أبى طالب ومرثد بن أبى مرثد الغنوى يتعاقبون بعيراً واحداً. واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشى العبدرى، وكان هذا اللواء أبيض.

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن ثم قام المقداد فقال‏:‏ امض يا رسول الله لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏ (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعنى مدينة الحبشة – لجالدنا معك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ أيها الناس أشيروا علىّ ‏‏ وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم قالوا حين بايعوه بالعقبة‏:‏ إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمامنا نمنعك مما نمنع به نساءنا وأبناءنا‏.‏

وقسم جيشه إلى كتيبتين:

1- كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها لعلى بن أبى طالب.

2- كتيبة الأنصار، وأعطى علمها لسعد بن معاذ.

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو - وكانا هما الفارسين الوحيدين فى الجيش كما أسلفنا - وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصع، وظلت القيادة العامة فى يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلى للجيش.

قوام الجيش المكى:

وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل فى بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل بن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يوماً تسعاً ويوماً عشراً من الإبل.

الإستعداد للمعركة:

وهناك قام الرسول بنفسه بعملية الإستكشاف مع رفيقه فى الغار أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه، وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه (ملحوظة: الرسول سأل عن الجيشين زيادة فى التكتم) ولكن الشيخ قال: لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أو ذاك بذلك؟ قال: نعم.  فقال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذى به جيش المدينة - وبلغنى أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذى به جيش مكة. ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه، ما من ماء؟! أمن ماء العراق؟! (أوهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من العراق وكان العراق يسمى‏ ماء وإنما أراد به‏ أنهما‏ خُلقا من نطفة ماء وهو المنى، فالرسول لا يقول إلا الحق دائما)‏

 نزول المطر:

وأنزل اللَّه عز وجل فى تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم.

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر فأصابوا راوية (يقدمون الماء) لقريش فيها‏:‏ أسلم غلام بنى الحجاح وعرباص أبو سيار غلام بنى العاص بن سعيد فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى فسألوهما فقالوا‏:‏ نحن سقاة قريش بعثوا بنا لنسقيهم من الماء، فرجى القوم أن يكونا لأبى سفيان فضربوهما فقالا‏:‏ نحن لأبى سفيان فتركوهما فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال‏:‏ إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش وسألهما: أخبرانى‏‏ أين قريش؟  قالوا‏:‏ هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل‏.‏

قال‏:‏ كم القوم؟

‏ قالا‏:‏ كثير‏.‏

قال‏:‏ كم عدتهم؟

قالا: لا ندرى‏.‏

قال‏:‏ كم ينحرون؟‏!‏

 قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا‏.‏

قال‏:‏ إذن القوم ما بين التسعمائة إلى الألف (دهاء إستنتاج عدد أفراد العدو من معرفة كمية الطعام التى يستهلكونها)

 قال‏:‏ فمن منهم من أشراف قريش ؟

 قالا‏:‏ عتبة وشيبة وأبو البخترى وحكيم بن حزام والحارث بن عامر وطعيمة بن عدى والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود‏.‏

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏ هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها....

تصميم أبو جهل على قتال المسلمين:

ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش‏:‏ أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم وقد نجاها الله فارجعوا‏. فقال أبو جهل بن هشام‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا (وكان بدر موسمًا من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام) فنقيم عليه ثلاثًا وننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا فأمضوا‏.‏

الجيش الإسلامى يسبق إلى أهم المراكز العسكرية:

وتحرك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر كخبير عسكرى وقال: يا رسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكم اللَّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأى والحرب والمكيدة، قال: يا رسول اللَّه، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم أى قريش فننزله ونغوّر(نخرب) ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأى. فنهض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا (خربوا) ما عداها من القلب.

مقر القيادة:

وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء، أقترح سعد بن معاذ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يبنى المسلمون مقراً لقيادته إستعداداً للطوارىء وتقديراً للهزيمة قبل النصر، حيث قال: يا نبى اللَّه ألا نبنى لك عريشاً تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا اللَّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبى اللَّه ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك اللَّه بهم يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير، وبنى المسلمون عريشاً على تل مرتفع يقع فى الشمال الشرقى لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة، كما تم إنتخاب فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته.

تعبئة الجيش وقضاء الليل:

ثم عبأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جيشه ومشى فى موضع المعركة، وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه ثم بات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلى إلى جذع شجرة هنالك وبات المسلمون ليلهم تغمر الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم، وكلهم أمل فى أن يروا نصر الله فى صبحهم (إِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) الأنفال 11 وكانت هذه الليلة ليلة الجمعة السابع عشر من شهر رمضان فى السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه فى 8 أو 12 من نفس الشهر.

 يتبع