فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (2/2)

غزوة البدر الكبرى - والتى تأتى ذكراها المباركة فى 17 رمضان من كل عام - لها فى نفوس المسلمين عظيم الأثر، فهى أول حرب بين المسلمين والكفار وهى الفرقان بين الحق والباطل وهى غزوة أحاطها الكارهون للإسلام بالكثير من الإفتراءات بالزعم بأن المسلمين هم من ابتدأوها وهم الذين دفعوا المشركين للقتال ولكن هذا محض افتراء فقد كان للمسلمين الحق كل الحق فى هذه الحرب، وهذا ما ستعرفه فى ثنايا المقال التالى وهو الحلقة الثانية والأخيرة ، فإلى المقال.....

فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (2/2)

فى ذكرى غزوة بدر الكبرى (2/2)

الحلقة الأولى من هنا

المواجهة بين الجيشين:

ولما طلع المشركون واصطف الجمعان، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى.....

وعدل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان فى يده قدح يعدل به، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف فطعن فى بطنه بالقدح وقال: استو يا سواد، فقال سواد: يا رسول اللَّه أوجعتنى فأقدنى، فكشف عن بطنه، وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول اللَّه قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك. فدعا له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخير. ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بأن لا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص فى أمر الحرب فقال: إذا أكثبوكم - يعنى كثروكم - فأرموهم واستبقوا نبلكم. ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش. أما المشركون فقد استفتح أبو جهل فى ذلك اليوم فقال: اللهم اقطعنا للرحم وآتنا بما لا نعرفه فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، وفى ذلك أنزل اللَّه (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِى عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) الأنفال 19.

ساعة الصفر وأول وقود المعركة:

وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومى (وكان رجلاً شرساً سئ الخلق) خرج قائلاً: أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه، فلما إلتقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن تبر يمينه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.

المبارزة:

وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة، وهم: عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار هم: عوف ومعوذ ابنا الحارث (وأمهما تسمى عفراء) وعبد اللَّه بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام. ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بنى عمنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث (ابن المطلب بن عبد مناف)، وقم يا حمزة، وقم يا علىّ فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فأخبروهم فقالوا: أنتم أكفاءٌ كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد، فأما حمزة وعلىّ فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كر علىّ وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة، قد قطعت رجله، فلم يزل صمتاً حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة. وكان علىّ يقسم باللَّه أن هذه الآيات نزلت فيهم (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ) الحج 19

الهجوم العام:

وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين، إذ  فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة، فاستشاطوا غضباً، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد، وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه تلقوا هجمات المشركين المتوالية، وهم مرابطون فى مواقعهم، واقفون موقف الدفاع، وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة، وهم يقولون: أحد أحد.

الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه:

وأما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، حتى إذا حمى الوطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال وبلغت المعركة قمتها قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً. وبالغ فى الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق أبى بكر وقال: حسبك يا رسول اللَّه، ألححت على ربك. وأوحى اللَّه إلى ملائكته (أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) الأنفال 12 وأوحى إلى رسوله (أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) الأنفال 9 أى أنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضاً أرسالاً، لا يأتون دفعة واحدة.

نزول الملائكة:

وأغفى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع (أى الغبار) وفى رواية محمد بن إسحاق قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر اللَّه، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع. ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب فى الدرع ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) القمر 45 ثم أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشاً وقال: شاهت الوجوه، ورمى بها فى وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، فى ذلك أنزل اللَّه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) الأنفال  17.

الهزيمة الساحقة لكفار قريش: ( نتيجة معركة بدر الكبرى)

وبدأت أمارات الفشل والاضطراب فى صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين فى الفرار والانسحاب المبدد، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون حتى تمت عليهم الهزيمة.

صمود أبى جهل:

أما الطاغية الأكبر أبو جهل، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب فى صفوفه حاول أن يصمد فى وجه هذا السيل، فجعل يشجع جيشه، ويقول لهم فى شراسة ومكابرة لا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولألفين (لأحببن) رجلاً منكم قتل منهم رجلاً، ولكن خذوهم أخذاً حتى نعرفهم بسوء صنيعهم. ولكن سرعان ما تبدى له حقيقة هذه الغطرسة، فما لبث إلا قليلاً حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين. نعم بقيت حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجاً من السيوف وغابات من الرماح، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج وأقلعت هذه الغابات، وحينئذ ظهر هذا الطاغية، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدى غلامين أنصاريين هما (عوف بن الحارث الخزرجى الأنصارى ومعوذ بن الحارث الخزرجى الأنصارى رضى الله عنهما)

مصرع أبى جهل:

طعن أبا جهل على يدىّ إبنى عفراء (عوف بن الحارث الخزرجى الأنصارى ومعوذ بن الحارث الخزرجى الأنصارى رضى الله عنهما)، ولكنه لم يمت على أثر طعناتهما بسبب ضخامة جسده ولأن إبنى عفراء كانا صغيرين بالسن، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة على يد عبدالله بن المسعود الذى أجهز عليه ولقد استشهد ابنا عفراء فى هذه المعركة رضى الله عنهما، ولما إنتهت المعركة قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فتفرق الناس فى طلبه، فوجده عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال: هل أخزاك اللَّه يا عدو اللَّه؟ قال: وبماذا أخزانى؟ أأعمد من رجل قتلتموه؟ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ وقال: فلو غير أكار قتلنى (يتحسر على أن من يقتله هو عبد الله بن مسعود الفقير الذى يعمل فى حراثة الأرض ورعى الغنم وكان يتمنى أن يكون قاتله رجلا عظيم الشأن من وجهة نظره)، ثم قال: أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ قال: للَّه ورسوله، ثم قال لابن مسعود (وكان قد وضع رجله على عنقه ): لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعى الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم فى مكة. وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول اللَّه، هذا رأس عدو اللَّه أبى جهل، فقال: اللَّه الذى لا إله إلا هو؟ فرددها ثلاثاً، ثم قال: اللَّه أكبر، الحمد للَّه الذى صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه، فانطلقنا فأريته إياه، فقال: هذا فرعون هذه الأمة. وقتل عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة.

نتيجة المعركة النهائية:

إنتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة إلى المشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين وقد استشهد من المسلمين فى هذه المعركة أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون وأسر سبعون وعامتهم القادة والزعماء والصناديد.

ولما انقضت الحرب أقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى فقال: بئس العشيرة كنتم لنبيكم. كذبتمونى وصدقنى الناس، وخذلتمونى ونصرنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.

مكة تتلقى نبأ الهزيمة:

فر المشركون من ساحة بدر فى صورة غير منظمة، تبعثروا فى الوديان والشعاب واتجهوا صوب مكة مذعورين، لا يدرون كيف يدخلونها خجلاً، وكان اليهود والمنافقون فى المدينة يتمادون  فى إشاعة الدعايات الكاذبة، حتى إنهم أشاعوا خبر مقتل النبى صلى الله عليه وسلم ، ولما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكباً القصواء وهى ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  قال: لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدرى ما يقول من الرعب.....

فلما بلغ الرسولان المدينة، أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما الخبر، حتى تأكد لديهم فتح المسلمين، فعمت البهجة والسرور، واهتزت أرجاء المدينة تهليلاً وتكبيراً، وتقدم رؤوس المسلمين الذين كانوا بالمدينة إلى طريق بدر، ليهنئوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح المبين، قال أسامة بن زيد: أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم التى كانت عند عثمان بن عفان إذ كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان ولذلك فلم يحضر عثمان بن عفان بدرا ولكن ذلك كان بأمر من رسول الله كى يبقى مع رقية رضى الله عنها فى مرضها.

قضية الأسارى:

ولما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة استشار أصحابه فى الأسارى، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم اللَّه، فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان وكان قريبا لعمر فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل بن أبى طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم اللَّه أنه ليست فى قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.(يريد عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يقتل المسلمون أولو قرابتهم من المشركين حتى يعرف المشركون أنه لا تنازل عن نصرة دين الله لأى داع) فآثر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يستسغ ما قال عمر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، هما يبكيان، فقلت يا رسول اللَّه أخبرنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للذى عرض علىّ أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة وكانت شجرة قريبة. وأنزل اللَّه تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ / لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الأنفال 67-68.

 وهكذا تم الأمر على رأى الصديق فتم أخذ الفداء من المشركين، وكان الفداء يتباين بين أربعة آلاف درهم و ثلاثة آلاف درهم وألف درهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء (وكان زيد بن ثابت ممن تعلم بهذا الطريق). وتفضل الرسول على ختنه (صهره) أبى العاص بشرط أن يخلى سبيل زينب، وكانت قد بعثت فى فدائه بمال، بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلته بها على أبى العاص، فلما رآها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه فى إطلاق أبى العاص ففعلوه، واشترط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أبى العاص أن يخلى سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت، وبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها، فخرجا حتى رجعا بها وقصة هجرتها طويلة مؤلمة.

هجرة السيدة زينب الى المدينة:

بعد أن افتدت السيدة زينب زوجها الأسير عند رسول الله طلب الرسول من أبى العاص أن يخلى سبيل زوجته إليه ويجعلها تلحق بأبيها إلى دار الهجرة، فرضى أبو العاص على ذلك، وكانت السيدة زينب رضى الله عنها ومعها طفليها تتجهز للحاق بأبيها فى دار الإسلام بعد أن أرسل الرسول زيد بن حارثة رضى الله عنه ومعه صحابى آخر إلى بطن يأجج على بعد ثمانية أميال من مكة ، ليصطحبا السيدة زينب معهما إلى يثرب، وعندما عاد أبو العاص إلى مكة أمر زوجته باللحاق بأبيها فى المدينة وأمر أخاه كنانة بن الربيع بمرافقة زوجته . قدم كنانة للسيدة زينب رضى الله عنها بعيراً تركب عليه حتى تصل إلى بطن يأجج ويكمل زيد بن حارثة الطريق إلى والدها محمد وخرجت السيدة زينب من مكة وهى تودعها وكلها أمل أن يخرج زوجها أبو العاص معها عائداً إلى يثرب مسلماً مؤمناً بالله مصدقاً لرسوله. وعلى الرغم من كل ما رأته من وقوف زوجها ضد الرسول صلى الله عليه وسلم بدلاً من الوقوف إلى جانبه ومساندته، فقد تمنت له الخير دائما،ً وهذه هى صفات السيدة زينب بنت نبى الأمة محمد، فهى المتسامحة المحبة والداعية للخير دائماً.

 عندما علم رجال قريش بخبر خروج السيدة زينب إلى أبيها، لحق بها هبار بن الأسود ومعه رجل آخر من قريش فعندما لقيها روعها برمحه فإذا هى تسقط من فوق بعيرها على صخرة جعلتها تسقط جنينها، فولى الرجال من بعد ذلك هاربين. رجع كنانة بن الربيع إلى مكة ومعه زينب حتى ترتاح من الألم والمرض الذى ألم بها وبعد عدة أيام اصطحبها مرة أخرى إلى يثرب حيث استقبلها أباها استقبالاً حاراً سعيداً برؤيتها مجدداً مع طفليها (علىّ وأمامة).