هى أشياء لا تشترى...

( لا تصالح! ..ولو منحوك الذهب أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى..) من قصيدة ( لا تصالح) للشاعر الكبير أمل دنقل والقصة التالية فى المقال هى معبرة عن ذلك، فأى إنسان عندما يرتضى الهوان والدنية والرضا بالقليل مما يستحقه فقد باع كرامته والكرامة الإنسانية هى من الأشياء الثمينة التى لا يمكن شراؤها بمال والذى يبيعها يكون رخيصا يستحقره من نجح فى شراءها، ومن أمثلة فقد الكرامة عدم الغيرة على أهل البيت والزوجة وعدم محاربة ومقاومة المغتصب سوء لمال أو عرض أو وطن، والمستعمر لأى وطن قبل إقدامه على دناءته الإستعمارية يستكشف فيمن يريد إستعماره مدى قدرته على المقاومة والرضا بالدنية والإستعداد للبيع وإذ استعصت عليه تلك الأشياء، فقد لا تنجح مغامرته الإستعمارية وتجده يرحل من حيث أتى، فلا تصالح ولا تهاون مع من يحاول هزيمة كرامتك، والمقال التالى هو عن ذلك....

هى أشياء لا تشترى...

هى أشياء لا تشترى...

أثناء وجود الاستعمار البريطاني في الهند، حدث أن ضابطا بريطانيا صفع مواطنا هنديا على وجهه، فكانت ردة فعل المواطن الهندي أن صفع الضابط بكل ما يملك من قوة وأسقطه أرضا .

ومن هول الصدمة المذلة انسحب الضابط من المكان وهو يستغرب كيف تجرأ مواطن هندى على صفع ضابط في جيش امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، واتجه إلى مركز قيادته ليحدثهم بما حصل، ويطلب المساعدة لمعاقبة هذا المواطن الذي ارتكب جرما لا يغتفر .

لكن القائد الكبير هدأ من روعه، وأخذه إلى مكتبه، وفتح خزينة ممتلئة بالنقود وقال للضابط : خذ من الخزينة خمسون الف روبية، واذهب إلى المواطن الهندي واعتذر منه على ما بدر منك، وأعطه هذه النقود مقابل صفعك له.

جن جنون الضابط وقال مستنكراً: أنا من له الحق في صفعه وإذلاله، لقد صفعني وهو لا يملك الحق، هذه أهانة لي، ولك، ولجيش صاحبة الجلالة، بل أهانه لصاحبة الجلالة نفسها.

قال الضابط الكبير للضابط الصغير : اعتبر هذا أمراً عسكرياً عليك تنفيذه دون نقاش، امتثل الضابط لأوامر قائده، وأخذ المبلغ وذهب إلى المواطن الهندى وعندما عثر عليه قال له:

- أرجو أن تقبل اعتذاري، لقد صفعتك ورددت لى الصفعة، وأصبحنا متساويين، وهذه خمسون الف روبيه هدية مع اعتذاري لك.

قبل المواطن الهندى الاعتذار والهدية ونسي أنه صُفع على تراب وطنه من مستعمر يحتل أرضه.

كانت الخمسون ألف روبيه في تلك الفترة تعتبر ثروة طائلة، اشترى المواطن الهندي بجزء من المبلغ منزلا، وجزء احتفظ به، وجزء اشترى به "ركشة"، (الركشة وسيلة نقل أجره بثلاث عجل يستخدمها الهنود في تنقلاتهم)، واستثمر جزء في التجارة، وفي وسائل النقل، وتحسنت ظروفه، وأصبح مع مرور الوقت من رجال الأعمال، ونسي الصفعة، لكن الإنجليز لم ينسوا صفعة الهندي للضابط. وبعد فتره من الزمن استدعى القائد الانجليزي الضابط الذي صُفع وقال له:

- أتذكر المواطن الهندي الذي صفعك ؟؟.                                                

قال الضابط: كيف أنسى ؟؟!!.

قال القائد : حان الوقت لتذهب وتبحث عنه وبدون مقدمات اصفعه أمام أكبر حشد من الناس.

قال الضابط : لقد رد الصفعة وهو لا يملك شيئا، أما اليوم وقد اصبح من رجال الأعمال وله أنصار وحراس، فهو لن يصفعني فقط بل سيقتلني.

قال القائد: لن يقتلك، اذهب ونفذ الأمر بدون نقاش.

امتثل الضابط لأوامر قائده وذهب إلى حيث الهندي، كان حوله أنصاره وخدمه وحراسه وجمع من الناس، فرفع يده وبكل ما يملك من قوة صفع المواطن الهندي على وجهه حتى أسقطه أرضا.

لم تبدر من الهندي أية ردة فعل، حتى أنه لم يجرؤ على رفع نظره في وجه الضابط الانجليزي.

اندهش الضابط وعاد مسرعا إلى قائده .

قال القائد للضابط : إني ارى على وجهك علامات الدهشة والاستغراب ؟؟.

قال: نعم في المرة الأولى رد الصفعة بأقوى منها، وهو فقير، ووحيد، واليوم وهو يملك من القوة ما لا يملك غيره لم يجرؤ على قول كلمه فكيف هذا ؟

قال القائد الانجليزي : في المرة الأولى كان لا يملك إلا كرامته ويراها أغلى ما يملك فدافع عنها، أما في المرة الثانية وبعد ان باع كرامته بخمسين ألف روبيه فهو لن يدافع عنها فلديه ماهو أهم منها.

فيديو قصيدة لا تصالح لأمل دنقل: